مقالات

الأحد 21 كانون ثاني 2018 / المصدر: خاص نورسات الاردن

"حُضور الله بين العِبادة والحُبِّ " كتاب من تأليف الأب سامر حداد " بقلم حنا ميخائيل سلامة نُعمان
بين أيدينا كتابٌ سدَّد مُؤَلِّفُه يراعته فيه فأصاب الهدف. وأحْسَبُ أنَّ المؤلِّف أراد أن يُصْدِرَهُ بالتزامن مع المَطر المُنهمر في شهر كانون وفي قرارةِ نفسِه أن يبعثَ الدِّفء في النفوس، ولينبعث في الأرجاء أيضاً شُعاع نورٍ يحمِل الرجاء والأمل في غَمرة ما يعانيه العالم اليوم من أزماتٍ ونِزاعات. يقول المؤلِّف " إنَّ صراع البشرية اليوم والأزمات والنزاعات وما يواكبها من آلامٍ تعود لعدم الوقوف بِحَضرَة الله والتواصل معه على النحو المُرتَجى لِنَيل مَحبته وفيضِ نِعَمِه، وتعودُ أيضاً لقراءة التاريخ والأحداث ومجريات الحياة البشرية بمعزلٍ عن الله وفي تجاهُلٍ لوجوده وحضوره وقُدرته مَا أدَّى إلى تغييبٍ للعدالةِ وتنكُّرٍ للحقوق وامتهانٍ لكرامة الإنسان".

 

ضَمَّ الكتاب بين دفتيه ستة فصول وُزِّعَت عناوينها على أربعين عنواناً أجادَ الأب حداد بنفاذِ بصيرتِهِ وواسِعِ ثقافتِهِ تغطية موضوعاتها وكشفِ الهدف منها.

 

في مُستَهلّ الكِتاب يُبَيِّن" أن الهيكلَ هو مكان تواصلٍ وصِلَةٍ وعلاقة مع الله" ويشرحُ في الفصل الأول المُعَنون "حضور الله في الهيكل في العهد القديم" مَاهيِّة حُضور الله وَوُجوده، ومغزى قُربه مِن الإنسان، يقول " إنّ الله يبقى قريباً من الإنسان عند الأزمات حيث يختبىء الإنسان ويبتعد عنه بفعل الخطيئة، فحين اختبىء آدم وحواء بين الأشجار بحث الله نفسه عنهما وناداهما" جاء في سفر التكوين:" فسَمِعا خُطى الرَّبِ الإله ماشياً في الجَّنة عند هُبوب ريح  النهار، فاختبأ آدم ُ وامرَأتُه من وجه الرَّبِ الإله في وسط  شجر الجَّنة، فنادى الرَّبُ الإلهُ آدمَ وقال له: أين أنت ؟". كما بيَّن أن "الهيكل دونَ مجد الرّب يُعدُّ مجرد بناءٍ وفن معماري.. وَحَسْبَ تاريخ الهيكل -كما ورد في أيام النبي حزقيال- كان مَجد الرّب يغادر مكان سُكناه عندما لا يكون راضياً عن الذين أراد أن يسكن بينهم آخذاً معه الحماية والبركة...".

 

وقد أفردَ المؤلِّف لهذا موضوعاً مُستقلاً بعنوان " الأزمات التي يغادر فيها مجد الرب ال- شْكِينَاه – البيت أو الهيكل". كما أفردَ باباً عنوانه"مَجدُ الرَّب أل"شكيناه"- المُستَخدَم بالعبرية لحضور الله الظاهر المَرئي والمُميز في تاريخ الخلاص". وتضمن الفصل بمادته الثريَّة موضوعاتٍ واكبته منها "لاهوت ظهور الله في الهيكل، علاقة الحُبّ" وغير ذلك من عناوين ألقى فيها إضاءاتٍ عن ظهور مجد الرب وضياءِه  في أسفار العهد القديم، ومُنقِّباً بمهارةٍ ما ورد بالشأن لعقدِ صِلة بينها وبين ما ورد بالعهد الجديد.

وينتقل المؤلِّف إلى الفصل الثاني المُعَنون "إضاءةٌ على إرادة الله في تاريخ الخلاص"  بيَّن فيه حُضور الله وقُربه ومجده ومحبته بشكلٍ ظاهرٍ ومَرئيٍّ مميز ومحدد في المكان والزمان من خلال الكلمة المُتجسد:   “والكلمة صار بشراً فسكن بيننا فرأينا مجدَه مجداً من لَدُن الآب لإبنٍ وحيد مِلؤه النعمة والحق" حيث تضمن عدة موضوعاتٍ منها "يسوعُ  صورةُ الله لِنراهُ  وَوَسيطٌ  بين العهد القديم والعهد الجديد، صِلة الإبن بالآب ومن أجلِها أرادوا قتله..،آيات ومعجزات يسوع هي انعكاس لصورة الله الذي يخلِقُ ويُحَرِّرُ، الإفخارستيا حُضور الله وسُكناه ليس فقط فيما بيننا ولكن في أحشائنا" وفي رُكنٍ من هذا الفصل يُبيِّن المؤلّف انَّه عندما قلبَ يسوع موائدَ باعة الحَمَام والصيارفة وطرَدَهم مع جميع باعة البقر والغنم إثرَ دخوله الهيكل، فإن مغزى ما جرى يَكمُنُ في أنَّ يسوع أراد أن يقول لهم: ألَمْ تفهموا بعدُ أنِّي أنا هو حَمَلُ الله الذي كانت الذبائح كلّها تحضيراً وتهيئةً للذبيحة الوحيدة ،وللمرَّة الواحدة، ومِن أجل الجميع"! ويُضيف "كان من الأجدر بهم لو قرأوا النُّبؤأت أن يُطلقوا سَراح الذبائح بعد قدوم المسيح لأن حضورَه يعني عدم ضرورتها، وأنْ لا حاجة لدفع تكاليف-وتصريف العملة للقادمين من شتى الأرجاء- لتغطية أثمانها فذبيحة المسيح وتضحيته بنفسه فادياً ومُخلِّصاً هي مجانية ولكل البشر والخليقة".

 

وفي السياق عينه  يُوضِحُ المؤلِّف إلى أن قول المسيح"جاء في الكتاب بيتي بيت صلاة يُدعى وأنتم جعلتموه مغارة لُصوصٍ"فإن هذه تدُلُّ على تشوه العلاقة من عبادة إلى عبودية بسبب تحول الممارسات التي فقدت الروح إلى جمودٍ وعبوديةٍ  كما أن بيت الصلاة لا يعني فقط المكان الذي نتكلم فيه من خلال الكلمات ليسمعها الله ،بل مكان التواصل والصِّلة والعلاقة معه".

وتمضي بالكتاب فإذا أنتَ أمام فصلٍ بعنوان:"الصَّلاة هي الصِّلة والتواصل مع الله الساكن فينا" واكب هذا  موضوعاتٍ مِنها : حضورُ الله في الأسرار المقدسة، الجانب الكتابي واللاهوتي للأسرار في العهدين القديم والجديد، طبيعة الأسرار في المجمع الفاتيكاني الثاني، مُقاربة تعريفية للأسرار وطبيعتها وماهيتها في تعليم آباء الكنيسة.

 

كما بيَّن بصورةٍ جليةٍ حقيقةَ حُضور الله ومَجده وفيضِ محبته ونِعمته في  كل سِرٍّ مِن الأسرار المقدسة التي هي بحق" ينابيعُ خلاص ضِمن خطة المسيح"، العُمَّاد ،التثبيت، القربان المقدس -الأفخارستيا -، المُصالحة ، الزواج ،الكهنوت، مَسحة المرضى. وكلمةُ سِرٍّ مِن باب الإيضاح"لا تعني شيئاً خفياً أو غامضاً، بل تعني العلامة الخارجية والمنظورة التي تَهَبُ نِعمةً غير منظورة ،إنها حُضور المسيح بشكل حقيقيٍ وأكثر عُمقاً ".

وتجدُ بين دفتي الكتاب فصلاً مخصصاً لِلْنِعَمِ وأنواعِها وحُضور الله الفاعل والمتواصل مَعَنا وَفِينا من خلالها.. فَمِن حضور الله ومجده تأتي النِّعم والبركات والخير والرحمة هذا إن كانت علاقتنا مع هذا الحضور علاقة محبة وتسبيح وفرح..". كما وأفرد فصلاً لأمِّ الكلمة المُتجسِّد  بعنوان"مريم العذراء وحضور الله".

"ألدِّيانة والعبادة وحضور الله" عنوان الفصل السادس الذي طرح في مَدخلهِ تساؤلاتٍ بالغة الأهمية: هل أراد الله ديانة ،وما هي الديانة ،وما هدفها،وما هي وسائلها؟ ومع تقديمه أجوبةً شاملةً مُعمقةً لها نراهُ يتوقف عند عناوين أخرى، أراها للتعريف ولإعادة شَدِّ الإنتباه إلى أن الله بتجسده لم يَعُد غامضاً أو سراً محجوباً ، وأنه محبة وهل للمحبة أن تستَرِقَّ العِباد! لذا "على العِبادة أن لا تتحول إلى عبودية في ممارساتها .. فالعبودية انقيادٌ وخُضوعٌ وتقييدُ حُريَّةٍ ،أما العبادة فهيَ حُضورٌ فِعليٌ بحضرة الله -المحبة-وهي دُعاءٌ وتضرُّعٌ وتسبيحٌ واستغفارٌ ورجاءٌ ، وهي تواصُلٌ وتوقٌ  للملكوت والتزام بالوصايا وامتلاءٌ من نِعَم الأسرار وفيوضاتها المُحْيِيَة "

 

 وباختصار" إنها شوقٌ، ونداءُ القلب الدائم في الصراخ تعالَ أيها الرب يسوع .

 وقبل الختام أقفُ متأملاً متمعناً عند كلمات الأب حداد التي تختصر الكثير مما ينبغي أن يُقال: "كثيرون هم الذين يجلسون في بيت الله وقليلون هم الذين يجلسون في حَضرة الله، فالعبادة صورة حضور الله فينا، والعبودية جمود هذه الصورة فينا، والحُبُّ هو انعكاس لهذه الصورة "

وأختم مُهنئاً الأب سامرهاني حداد على إنجازه الثَّري هذا، وأعترفُ أنَّ ما جرى به قلمي لا يُشكل سوى إضاءَة متواضعة بما لا يُغني عن قراءَتِه لِجني الفوائد المرجوة مِنه. ولا بُدَّ مِن ان أُسجِّل للأب حداد الحائز على درجة بكالوريوس في الفلسفة ومثلها في اللاهوت، وخدم منذ رسامته الكهنوتية سنة 2010 في الأردن وفلسطين، أسَجِّلُ لهُ نوعية المراجع التي استعان بها وبلغت نحو أربعين مَرجِعاً في اللغة العربية ولُغاتٍ أجنبية يُتقن خمساً مِنها،  ليكتسب هذا العمل سِمةً بحثٍ شُموليٍ ثريٍ يكون مَرجِعاً روحياً وتثقيفياً لِمن أراد ذلك، وربما وافى يومٌ نراهُ يدخل ضِمن مناهج المعاهد التعليمية الدينية وغيرها.

                                                                                                 حنا ميخائيل سلامة نُعمان

 Hanna_salameh@yahoo.com                                                                        

                                                                                                       كاتب وباحث