لبنان

الأربعاء 14 شباط 2018 / المصدر: الأب البروفيسور يوسف موّنس

في الحبّ.. في عيد "سان فالنتاين"
الله محبة هو ونحن الّذين خلقنا الله على صورته ومثاله، يجمّلنا الحبّ، يؤلّهنا الحبّ، يوحّدنا الحبّ، يلدنا الحبّ إنسانًا جديدًا. من يحبّ هو إنسان مولود من الله ومع حبّه للآخر يتواجد هو ويجد المعنى لحياته وللآخر هذا هو المعنى الثيّولوجيّ والأنتربولوجيّ للحبّ، لذلك كان عيد الحبّ هو عيد تقدمة الوردة الحمراء أو تقدمة القلب الأحمر. إنّه العطاء بكرم أنّه عيد قربانيّ، إنّه الوهب والعطاء oblasif والتّقدمة، وليس استثنائيًّا captatif ولا أنانيًّا ولا نرجسيًّا.

 

نرسيس وعشق الذّات
نظر نرسيس إلى البحيرة السّاكنة الهادئة وكأنّها مسحورة، فوجد صورته الجميلة على وجه المياه فأغرم بها وخلفه كانت أصوات الآلهة الجميلات ينادينه نرسيس! نرسيس! ليلتفت إليهنّ ويلتقي بهنّ ويخرج من عبادته لذاته من غروره وعشقه لذاته ليتواجد في حبّ الآخر، لكن نرسيس كان غارقاً مبهورًا مسحورًا بصورته الّتي يعشقها فلحق بها ونزل إلى المياه لكنّه اختنق ومات ونبتت بدله له زهرة النّرجس وبقي صدى صوت الحوريّات يتردّد على وجه البحيرة والغابات: نرسيس! نرسيس! إنّه نداء الحبّ لعمر الحبّ بين كلّ شابّ وصبيّة لبناء بيت وعائلة.
وكما تقول احتفاليّة الرّحابنة «هوي وهيي» من أوّل العمر لآخر العمر «هوي وهيي» لكن ولو كان الإله كوبيدون إله الحبّ حاملاً سهامه ويرميها حيثما شاء وإلى أينما طار، ويصيب القلب بسهم حبّ قاتل ويجرح ويرمي القلب ويطير العقل من الوجع ويعمي البصر والبصيرة عن التّمييز والحكم الصّحيح وهذه هي حال من أصابهم سهم الحبّ حتّى المرض.
الحب مرض وجنون
هكذا تقول الحكاية في الأدب العربيّ «يقول اعرابي: فارقت بني عذرة (الحبّ العذريّ) وفيهم ثلاثـــون مريضــاً وليس بهم داء إلّا داء الحبّ. قال وكيف يكـــون ذلــك؟ قال لجمال ولصباحة في وجوه صبايانا ولعنة في قلوب شبابنا، يعشقون ولا وصال، فيحرّضون من الحبّ ويهيمون في الصّحراء كالمجانين. (من هنا قصّة مجنون ليلى).
القصّة وحقيقتها إلى فالنتاين مع حبّي

يقول كتاب السنكسار المارونيّ أيّ قصص القدّيسين والشّهداء في اليوم الرّابع عشر من شهر شباط،
إنّ فالنتين كاهن عالم فيلسوف من روما. قبض عليه الملك كلوديوس الثّاني وطرحه في السّجن مقيّداً بالسلاسل، ثم أخذ يلاطفه ليترك الإيمان المسيحيّ ويعبد الأصنام. لكنّه قال إنّ هذه تماثيل لآلهة من صنع بشر فأرسلوه إلى القاضي أستيريوس ليعاقبه على تجديفه، فأخذه إلى بيته وكان عنده ابنة جميلة عمياء فقدت بصرها منذ سنين. فتمنّى على فالنتينوس أن يعلّمها ويثقّفها فقام بمهمته بحبّ واحترام. ولكنّه كان أيضاً يخبر الصّبيّة عن يسوع وحبّه وجماله. فطلبت منه أن يعمّــدها بعد أن أخبرها كيف أنّ يــسوع افتدى البـشريّة ومات حـبّاً لأجلنا. فآمنت وعمّدها بعد خوفه من والدها. لكنّها أصرّت عليه وألحّـت. فعندما عمّدها انفتحت عيناها على النّور كما انفتح قلبها على نور الإيمان بيسوع المسيح.
فأسرعت إلى عند والدها لتخبره بذلك، لأنّ إيمانها بيسوع وعمادها فتح لها نور عينيها بعد أن دخل نور المسيح إلى قلبها، فآمن أبوها وأمّها وأهل بيتها. فأمر الملك بقطع رؤوسهم جميعاً وقطع الحرّاس رأس فالنتاين بالسّيف فأخذت الصّبيّة الجميلة الجسد ودفنته باحترام في إحدى زوايا حديقة والدها، وغرست فوق القبر شجرة لوز لأنّ اللّوز يزهر في عزّ الشّتاء والثّلج، ووضعت على القبر باقة زهر كتبت عليها: «إلى فالنتاين مع حبّي» وصارت كلّ سنة عندما يزهر اللّوز تضع على القبر باقة زهر وتكتب عليها: «إلى فالنتاين مع حبّي»، وكان ذلك سنة 268 مسيحيّة.

 أعيدوا العيد إلى معناه الحقيقيّ وليس عيدًا مدنيًّا تجاريًّا بحتًا.
جميل جدًّا أن نقدّم الورد لنعبّر عن حبّنا وأن نعيش عشقنا وغرامنا.
جميل أن نطلق البالونات الحمراء ونحمل ونلبس الثّياب الحمراء.
جميل أن نقول إنّ هذا النّهار هو عيد العشّاق ولكن علينا أن لا نكتفي بذلك فقط بل علينا أن نعود إلى المعنى الحقيقيّ لهذا العيد ألا وهو أن نذكر الابن الحبيب يسوع المسيح الّذي مات حبًّا لأجل خلاصنا، وأن نعرف معنى القصّة لهذا اليوم باستشهاد فالنتاين حبًّا ليسوع. وأن نعرف أمانة الصّبيّة الّتي أنار عقلها بنور الإيمان والمعرفة، وأنار عينيها بالبصر والنّور وأنها بقيت أمينة له تذكره كما أزهرت الطّبيعة وتقدّم له باقة زهر تكتب عليها: إلى فالنتينوس مع حبّي العيد هو هنا هذا الطّقس الجميل للحبّ وللأمانة لهذا الحبّ.
فلا نكتفي بباقات الزّهور الحمراء وبطاقات التّهنئة مكتوب عليها: "إلى... مع حبّي".
لهذا البعد المسيحيّ يضرب في أعماق لاهوت الحبّ والاستشهاد والأمان، فلا نجعله عيد تبادل تجاريّ فقط في طقوسيّة فارغة وتافهة لا شيء فيه من العشق الإلهيّ، وكلّ عيد عشّاق وكلّ عيد وسان فالنتاين وأنتم بخير!