مقالات

الأربعاء 17 تشرين أول 2018 / المحامية برناديت حنا نعمان / المصدر: خاص نورسات الاردن

وقفة أمام ميراث المواطنات المسيحيات في الأردن
لبنان في العام 1959، سوريا في العام 2011، واليوم تونس .. أمثلة على دول عربية إستطاعت بفضل حكوماتها وممثلي شعوبها أن تقر قوانين تتماشى والعدالة الإنسانية

دول إستطاعت أن تـُـقر قوانين تتوازن مع أحكام دساتيرها وتدعم دون جدل: (لماذا) فكرة المساواة بين الجنسين، ليس فقط في الواجبات، بل أيضاً في الحقوق والتي من أبسطها المساواة في الميراث، الذي سَنـّت له قوانينه الخاصة لتمنع أي مجال للشك أو الجدال في أحقِّيَّتِه، بل و"قُدسِيَّته"، إيماناً منها بأن المرأة كيان المجتمع وعِماد وجوده، وشريكة مؤثرِّة في تطوير الدول وبناء حضاراتها، وأن المرأة شريكة للرجل في كلّ تفاصيل الحياة.

ومع تبني الدول المشار إليها لحقيقة المساواة بين الجِنْسَين (لدى المسيحيين بالنسبة إلى لبنان وسوريا ولكافة أطياف الشعب بالنسبة لتونس)، وتحديها للعادات والمفاهيم السائدة بهذا الشأن والتي لم تعد تتوافق وواقع مجتمعاتها ورؤاها المستقبلية وقوانينها العصرية، فإن المواطِنات المسيحيَّات في الأردن لا يـَزَلنَ يتساءلنَ عن حقهنَّ الذي يُشبِهُ أن يكونَ مسلوباً، بينما أُقِرَّ منذ إنطلاق الديانة المسيحية ورسالتها السامية.

بل إنهُنَّ يُبْدِينَ العجب والإستغراب من عدم إتخاذ الخطوات اللازمة من السُّلُطات الكَنَسِيَّة المٌوقرة ومن يعنيهم الأمر، بل والصمت على نحوٍ ما، إزاء ذلك وعمَّا يقع من إنتقاص لهذا الحق في محاكمَ كَنَسيَّة مختلفة، في مغايرةٍ لما جاءت عليه تعاليم السيد المسيح، ولما جاء في الدستور الأردني من جانب آخر، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث كفِلت المساواة بين الجنسين، مع إقرار الدستور الأردني لحق المسيحيين في أن لا يخضعوا إلى دينٍ غير دينهم في أمور الأحوال الشخصية والميراث، وحقهم في إتباع تعاليم دينهم، وحقهم في تأسيس محاكمهم الخاصة والتي تصدر أحكامها بشكل ملزم موسومة باسم صاحب الجلالة الملك المعظم دلالة على قانونيتها وشرعيتها.

 

ومع قيام السلطات الكنسية بتبرير سبب عدم المساواة في الميراث بين الجنسين لدى المسيحيين، وقيامها بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في هذا الشأن لدى محاكمها، أنه بسبب عدم وجود قانون تستند عليه لتقسيم التركة، وعدم توافق مجالس الطوائف إلى يومنا هذا على قانون موحد في هذا الشأن، أو قيام بعض الطوائف بعرقلة إقرار قانون خاص بالميراث، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل إقرار المساواة في الميراث يتطلب إصدار قانون إبتداءً؟ إن هذه الحجة هي مجرد مخدر للعائلات المسيحية في الأردن بشكل عام وللأم والزوجة والابنة بشكل خاص، فقانون المسيحيين منذ الأزل هو الكتاب المقدس الذي يفوق القوانين بمجملها ويسمو على سائر التشريعات.

كما أن القول بعدم وجود نصوص صريحة في الإنجيل المقدس حول تقسيم الميراث هو أيضاً حجة غير صحيحة، فالمساواة بين الذكر والأنثى في الإنجيل المقدس هي قاعدة ومبدأ عام لا يحتمل التفسير على عكس ذلك أو التأويل أو الإنكار، وبوجود القاعدة العامة التي ساوت بين الذكر والأنثى في الحقوق والواجبات فنحن لسنا بحاجة إلى قاعدة خاصة لتفسير أمرٍ معينٍ أو إقراره.

حيث نجد في الرسالة إلى أهل غلاطية (28:3): "وليس هناك ذكرٌ وأنثى، لأنكم جميعاً واحدٌ في المسيح يسوع". فالسيد المسيح في مسألة الميراث ذهب إلى ما هو أبعد من مسألة المساواة، فأرسى مبدأً عاماً بأن قال أن على الورثة أن يتجنبوا الطمع وأن يكون كل واحدٍ منهم مستعداً للتنازل عن حصته لصالح أخته أو أخيه إن كان في حاجة، فنجد في سفر لوقا (14:12-15) قول السيد المسيح عندما طلب منه أحد الجموع أن يأمر أخيه بتقاسم الميراث: "يا رَجل: من أقامني عليكم قاضياً أو قسَّاماً؟... تبصَّروا واحذروا كلَّ طمع، لأن حياة المرء وإن اغتنى لا تأتيه من أمواله".

 

أما المعضلة الأخرى والكـُبرى التي تطال المسيحيات في الأردن، فهي حالة وفاة الأب الذي لم يرزق بأبناء ذكور، فما ذنب زوجته وبناته الإناث في أن يتقاسم معهنَّ الأعمام والعمَّات والجَد والجدَّة جزءاً ليس بقليل من الميراث؟ وما العبرة أو الحكمة من هذا؟ سؤال يستوجب التفكير بشكل منطقي عادل.

كما توجد شريعةٌ للميراثِ في العهد القديم من الكتاب المقدس تقول إن الذكر والأنثى متساويان في الأنصبة، وفي حال عدم وجود الذكور فلا يرث الأعمام وإنما البنات لوحدهنّ. ففي "ميراث البنات" يروي العهد القديم عن بنات صَلُفاحِد وقد جئن إلى موسى يطلبن ميراث أبيهن من أعمامهن، فرفع موسى قَضِيَتُهنَّ للرب، فكلـَّم الرب موسى قائلاً:

"بحقٍ تكلمت بناتُ صَلُفاحَد، فتُعطيهِن مُلك نصيبٍ بين إخوة أبيهِنَّ، وتنقلُ نصيبَ أبيهِن إليهنَّ" (سفر العدد 7:27) ومع إعتراض وإستهجان السلطات الكنسية في الأردن والمحاكم الكنسية على قيام الزوج المسيحي أو الزوجة المسيحية في اللجوء إلى الديانة الإسلامية بقصدٍ مُضمَرٍ وهو للتهرب من قرارات المحاكم الكنسية وإبطالها هرباً من النفقة أو للحصول على قرار بالإنفصال أو الطلاق إن صح التعبير، أو غيرها من الأسباب، فإننا لا نرى أو نسمع تعليقاً واحداً منهم بخصوص تطبيق الشريعة على أحكام الميراث.

 

وجديرٌ لفت الإنتباه إلى أن المحاكم الكنسية تقوم بتطبيق أحكام الأحوال الشخصية الخاصة بها في جميع الأمور وكما ورد في الكتاب المقدس فلماذا إذاً إستثناء الميراث من ذلك؟ إن السُّلطات الكنَسِيَّة التي نُجِلّها ونـُقدِّرُ جهودها المثمرة في ثبات الكنسية في الأردن، وممثلي المواطنين المسيحيين في مجلس النواب، هم المسؤولون عن عدم معالجة هذه المعضلة التي لا تزال وكما نرى ونتابع تدور في حلقة العادات والتقاليد وما يُطلق عليه العقلية الذكورية التي تتجذر في المجتمع، بالرغم من علمهم اليقين بحالات كثيرة لنساء مسيحيات مسؤولات عن عائلات بأكملها وهنَّ من يقمنّ بتحمل مسؤوليات رب الأسرة في النفقات والتعليم والسكن وغير ذلك.

 

وفي السِّياق، فإن القول أنَّ السبب في إعطاء الأنثى المسيحية نصف نصيب الذكر في الميراث هو بسبب تحمل الذكر للمسؤوليات الأسرية من نفقات وغيرها هو كلام غير منطقي وقد تطورت الحياة وتبدلت الأحوال فأخذت المرأة على عاتقها مشاركة الرَّجُل في تحمل مسؤوليات الأسرة وتقاسم نفقاتها من خلال عملها، بل وهناك مَن يتحمَّلنَ نسبة أعلى من المصاريف وتكاليف الحياة.

وقد يبرُز من يقول أنَّ هناك حلولاً عملية أو أساليب للإلتفاف على القانون الحالي والخروج من هذه المعضلة، على سبيل المثال: أن يقوم الأب بنقل ملكية عقارٍ لابنته أو زوجته ليحفظ حقها في المساواة، أو أن يقوم بكتابة وصية بالتركة. والصحيح أن هذا الكلام غير دقيق من الناحية العملية وباطل للحالة الأخيرة وهي الوصية، كون الوصية لا تكون إلا بحدود ثلث التركة ولشخص من غير الورثة، أي لا وصية لوارثٍ، إلا إذا وافق باقي الورثة على صرفها. وأتساءلُ هنا : هل إقرار وتطبيق حقٍّ دينيٍ وقانونيٍ بمساواة الأنثى بالذكر في الميراث لدى المسيحيين يتطلب الإلتفاف على القانون لإرسائِه أو تأكيده!

إن عدم المساواة في الميراث لدى المواطنات  المسيحيين يخلق وباستمرارٍ مشاكل أسرية لا حلّ لها، وكم سمعنا عن إخوة وأخوات إختصموا وتفرقوا للأبد بعد وفاة أبيهم أو أمهم بسبب تقسيم الميراث وإعتراض الأخوات الإناث على إعتبار نصيبهم نصف نصيب إخوتهم الذكور، حيث يَرُد الإخوة على ذلك بقولهم إن القانون هو من منحهم هذا الحق.. ويضيفون القول الدارج بالعامية: "روحوا بلطوا البحر"  فَعَن أي قانون يتحدثون؟ طبعاً الجواب بسيط فمصالح هؤلاءِ الشخصية أَوْلَى والطمع هو طبع أغلب البشر!

على من يعنيهم الأمر في كنائسناالتي تحمل إرثا ًروحياً وتاريخياً مجيداً تقديم النُّصح والإرشاد وتوجيه العائلات المسيحية على ضرورة تطبيق ما جاء في الإنجيل المقدس وما نصَّت عليه مبادئ الديانة المسيحية الداعية إلى المساواة والعدل والحق وفوق ذلك المحبة. فإذا كانت المسيحية لم تضع بشكل صريح أحكاماً وقوانين مالية، غير أنها وضعت مبادئ روحية وأخلاقية عامة أساسية يُستند إليها في المسائل المالية والأحوال الشخصية وجميع مناحي الحياة، وتتمثل في شريعة المحبة والتضحية والمساواة المطلقة بين الذكر والأنثى في الحقوق والواجبات.

ولا بد من الإشارة هنا إلى قرار نوعي صادر عن محكمة إستئناف القاهرة، الدائرة (158) أحوال شخصية، في آذار 2016، حيث رفضت إمرأة مسيحية تقسيم الإرث طبقاً للشريعة الإسلامية فقرر القاضي وإستناداً لأحكام المادة (3) من الدستور المصري الإحتكام إلى مبادئ الدين المسيحي وأمر بتوزيع الأنصبة بشكل متساوٍ أي للأنثى مثل نصيب الذكر تماماً. على أمل أن يكون هذا القرار سابقة قضائية تستحق أن يسلط الضوء عليها ويـُحتذى بها لدى محاكمنا إذا ما واجهتها قضية مماثلة.

إن مقالي هذا يجيء لتسليط الضَّوء على ما ورد ذِكره أمام سُلطاتنا الكنسية الموقرة لتقوم بإتخاذ الخطوة المطلوبة حيال هذا الأمر، هذه الخطوة التي لطالما طالبت بها المسيحيات على مر السنين في الأردن دولة القانون والعدل والمساواة، ولتقوم سلطاتنا الكنسية بالتعميم بشكل رسمي كخطوة أولى على المحاكم الكنسية لتطبيق المساواة أمام محاكمها في مسألة الإرث إستناداً للكتاب المقدس ودون الحاجة إلى إنتظار سنّ قانون بهذا الشأن. ويجيء أيضاً لتوعية المواطنات المسيحيات وإرشادهِنَّ، ولا يهدف بأي حال من الأحوال إلى تحريضهنَّ أو تحفيزهِنَّ للإندفاع إلى القضاء النظامي للطعن في إعلام حصر الإرث والمطالبة في المساواة بالميراث من خلال تطبيق أحكام الديانة المسيحية على تقسيم الميراث، بل على أمل أن تلجأ العائلات المسيحية في الأردن إلى تقسيم الميراث بشكل ودي وعادل ومُنصف بما يُريح الضمير ويرفع اللوم والعتب.

Bernadette.numan@gmail.com