مقالات

الخميس 10 كانون ثاني 2019 / المصدر: نورسات الاردن / زينيت

السياسي المسيحي وعلاقته مع الكهنة نقمة أم نعمة؟ بقلم الخوري جان بول الخوري
عزيّا والكاهن زكريا / أتت هذه المقالة لتطرح على مراحل إشكالية العلاقات والنزاعات التي تثيرها السياسة على صعيد علاقتها مع الكنيسة، وبشكل خاص مع كهنة الرعايا.


 لا شك في أنّ الواقع يطلعنا على وجود أزمات وشدّ حبال من قبل بعض أهل السياسة بعلاقتهم مع  الكهنة. وبالرغم من التعاون الجيّد والمشهود له في أمكنة قليلة للاسف، نرى في المقابل، ازمات وصراعات في المجتمع جذورها تضارب الأدوار. من يدير من؟ ومن هو الاهل القادر ان يمسك في زمام الامور؟  وهل انّ عمل الخدمة الرعائية يؤثر على نفوذ رجال السياسة والاحزاب والنقابات الخ؟ ما الخطر الذي يشكّله عمل الكاهن على السياسي؟ 

لذا تأتي هذه المقالة لتسلّط الضوء على كيفية بناء علاقات متضامنة بين اهل السياسة وكهنة الرعايا، لذا اتخذنا في بادئ الامر الكتاب المقدس وتعليم الكنيسة لينرا لنا الطريق. اذا  فما الذي تريده ان تقوله لنا كلمة الله حول هذه المسألة المعقدة؟


 يطالعنا سفر الأخبار الثاني، عن أحوال وأوضاع الملوك الذين ملكوا على اورشليم وعلاقاتهم سواء مع الشعب وبشكل خاص مع الكهنة.

نرى ملوكا واظبوا على عهدهم مع الرب فنالوا رضاه وبركته… وهناك من بدأ حياة صالحة،  ثم ما لبث ان انقلبت راسا على عقب ضد وصايا الله وشريعته،  فعُزيّا الملك مثل على ذلك.
 اذا كيف كانت بدايات عزيا؟ لماذا انقلب على الكاهن زكريا؟ وما كان مصيره؟ ما الذي تريد أن تقوله

لنا كلمة الرب، في ظل سلطات تريد فرض هيمنتها على الكهنة خدام العهد الجديد وبشتى الوسائل؟

 

 

- بداية عزيا
بدأ حياته بتتميم وصايا الرب فنال من الله قدرة ونصرة على جميع اعدائه،  وأعطاه الرب القدرة، فحقق انجازات عظيمة، سواء من الناحية العسكرية والاقتصادية او من الناحية العمرانية والزراعية، لأنه بنى علاقة ودّ مع كاهن الرب وكان اسمه ” زكريا الذي كان له خبرة في رؤى الله، وفي أيام التماسه للرب (عُزيّا) انجحه الرب” (٢اخ ٢٦: ٥)، كان للملك بمثابة يد الله القوية. الا انّ هذه العلاقة أخذت مسارَا منحرفًا، والسبب هو تشامخ عُزيّا الملك.

 

- فساد عزيا
وبعدما ان تعاظمت قدرة الملك “تشامخ قلبه حتى فسد” (٢اخ ٢٦: ١٦). أي سار في طريق الكبرياء والاعتداد المفرط بقوته الذاتية والتباهي بانجازاته، ناسيًا أنّ الرب هو خلف كلّ ذلك.

وهذا ما أدى الى فساد قلب عزيّا، أي أنه مات روحيًا، لم يبقَ على علاقة متينة بالرب، وهذا المسلك الفاسد قاده الى السيطرة على مقدّسي الرب اب الكهنة، محاولا تحجيم لا بل الغاء دور الكاهن زكريا وغير آبه بالمقدسات ولا بسلطة رجال الهيكل، وبالرغم من وقوف زكريا مع الكهنة في وجه الملك ناهينه من القيام بوضع البخور، إلا أنّ عزيّا، لم يطع زكريا الكاهن،  لا بل سخط عزيّا بزكريا الكاهن، وسرعان ما ضربه الله بالبرص “في جبهته قُدام الكهنة في بيت ةلرب، وهو على مذبح البخور ( ٢اخ ٢٦: ١٩). وما ان لبث أن طرد من الهيكل “لان الرب ضربه” (٢اخ ٢٦: ٢٠) وتم فصله عن المجتمع اليهودي “وسكن ابرص في بيت منفرد، لأنه كان مفصولا عن بيت الرب” (٢اخ٢٦: ٢١). فعندما ينفصل الملك عن بيت الله، فليستعد للاسوء.

 

 

- عبرة لنا
تعلّمنا كلمة الرب، أنّ الإنسان مهما كان مبادرة ولديه سلطة ومال وجاه، عندما يتخطى دوره بسبب تشامخ قلبه سرعان ما يبدأ يضربه الفساد الداخلي، فساد يبدأ بالعقل ثم القلب والإرادة،  وبالتالي يموت روحيًا، ولا يعد آبهًا بالمقدسات ولا بشريعة الرب ولا بدور الكهنوت، بل تراه، يتشامخ متباهيًا بقدرته امام الله ومحتقرًا كهنة الرب وساخطا عليهم (على عينك يا تاجر) محاولاً التسلط والاستحواذ على دورهم الخدمي الكهنوتي في ادارة بيت الرب وحسب أنفه بالليتورجيا، محاولا لو استطاع إلى ذلك سبيلا  أن ينصّب نفسه كاهنا اعظم عليهم. ولكن عندما يقف الكهنة  معا وقفة رجل واحد  امام التعديات الفاضحة لبعض أهل السلطة، سرعان ما ينال هؤلاء جزاءهم اذ يضربون بالبرص، فتكون العاقبة النفي والحرمان من المشاركة في الحياة العامة، على غرار ما حدث مع  الملك عزّيا الابرص. فالحرمان من المشاركة بالمجتمع، هو دوما نصيب السياسي المتسلّط المتعجرفة

- انزل الاقوياء عن عروشهم
لا يمكن الرب أن يتناقض مع ذاته، ولا يستطيع أي سياسي ان يحكم بسلام ما دام يسيء الى الكهنوت المقدّس، ومهما  تعاظمت قوة رجال الساسة أمثال عزّيا، لا شك بانهم سينالهم الفساد من الداخل جزاءا على تدخلهم. فنشيد مريم العذراء، يكشف لنا عن مصير المتسلّط الظالم، بان عرشه سيتحطّم لا محال  وإلى الأبد، انه وعد العذراء مريم (راجع، لو ١: ٥١). وهنا يسأل المرء،  كيف يمكن أن تقبل الأم العذراء ام الكاهن وشفيعته، الاهانات والتعديات والسخط بحق ولدها كاهن وخادم ابنها يسوع؟ فمما لا شك فيه، ستنزع وتزعزع أي عرش مهما عظم،  فترفع الوضعاء الودعاء فيحكمون بالعدل والانصاف، وعندها تزهر الأرض سلاما. فالرجل السياسي المسيحي الناجح، هو من يضع نصب عينيه أهمية حضور الكهنوت في حياته، لأنه بفضل صلاة الكاهن،  يتقدّس، ويتبارك وكل ما يصنعه بمحبة وحق ينجح.

 

خاتمة
اننا على ثقة تامة، نحن كهنة العهد الجديد كهنة يسوع المسيح خدام الكنيسة، أنّ حضورنا الكهنوتي الرعوي،  في مجتمعاتنا لقادر أن يبارك كل سلطة قائمة تعمل لخير الإنسان والخير العام والتضامن والتبادلية، اما العكس صحيح، اذا أرادت السلطات السياسية او قوة المعارضة أن يقوموا بتسخيف حضورنا واضطهادنا ساخطين على عملنا الكهنوتي المقدس، عندها فليحذروا جيدا بأنّ مصيرهم سيكون أسوأ من مصير عزيا الملك الذي أفسده الكبرياء.
نعم، صادقة هي الكلمة، هللويا