مقالات

السبت 12 كانون ثاني 2019 / المصدر: نورسات / النهار

العائلة والمغفرة بقلم المطران كيرلس سليم بسترس
العائلة هي أساس المجتمع. وبقدر ما تكون العائلة متماسكة ومتضامنة، يكون المجتمع سليمًا. كثير من العائلات في أيّامنا تعيش في جوّ من البلبلة والتفكّك. وقد كثرت الطلاقات إلى حدّ لم تعهده الأجيال السابقة. أسباب الطلاق كثيرة، وأهمّها افتقاد المغفرة بين الزوجين. عندما يتزوّج الناس، يعتقدون أنّهم سيجدون في شريك حياتهم الإنسان الكامل الذي لا عيب فيه والذي سيقضون معه حياة هنيئة بانسجام كلّيّ وتوافق تامّ في الآراء والمواقف. لكنّهم لا يلبثون أن يكتشفوا أنّ الواقع غير ذلك. فشريكهم بعيد كلّ البعد عن الكمال الذي رأوه فيه لدى التعرّف عليه قبل الزواج. فتحصل الخلافات، وتنشأ النزاعات، وتتفاقم بحيث تصير الحياة جحيمًا لا يُطاق. ويبدو لهم الطلاق أسهل السبل لاستعادة راحتهم واسترجاع الهناء الذي لم يتمكّنوا من الحصول عليه في الزواج.

يقول قداسة البابا فرنسيس: "لا وجود لعائلة كاملة، ليس لدينا والدان كاملان، ولا أولاد كاملون، ولا أحد منّا إنسان كامل. لا يتزوّج المرء شخصًا كاملاً.

كثيرًا ما نتشكّى بعضنا من بعض، وعلى الدوام يخيب ظنّنا بعضنا من بعض. لذلك لا وجود لزواج سليم ولا لعائلة سليمة من دون ممارسة المغفرة.

المغفرة أمرٌ حيويّ لصحّتنا العاطفيّة ولسلامة حياتنا الروحيّة. من دون مغفرة تُضحي العائلة مريضة. المغفرة هي دواء النفس، وتنقية الفكر، وتحرير القلب. مَنْ لا يغفر يفتقد سلام النفس والاتّحاد بالله. الحفاظ على اكتئاب الحبّ في القلب هو تدمير للذات. من لا يغفر هو إنسان مريض في جسده وشعوره وروحانيّته. لذلك يجب أن تكون العائلة مكان حياة وليس مكان موت، مكان فردوس وليس مكان جحيم، مقرّ شفاء وليس مقرّ مرض، مسرح مغفرة وليس مسرح شعور بالذنب.

المغفرة تجلب الفرح حيث تسبّب الكآبة الحزن، وتجلب الشفاء حيث تسبّب الكآبة المرض".

 


لقد تكلّم السيّد المسيح في أكثر من موضع، وفي أكثر من مثل، على المغفرة، وعدّها شرطًا لحصول الإنسان على المغفرة من قِبل الله. ففي الصلاة الربيّة علّمنا أن نقول: "واغفر لنا خطايانا لأنّنا، نحن أيضًا، نغفر لكلّ من أساء إلينا" (لوقا 4:11). ويختم بقوله: "فإنّه إن غفرتم للناس زلاّتهم، غفر لكم أبوكم السماويّ أيضًا، وإن لم تغفروا للناس، فأبوكم أيضًا لا يغفر لكم زلاّتكم" (متى 14:6-15).
ويقول بولس الرسول: "البسوا إذن، أنتم مختاري الله وقدّيسيه وأحباءه، أحشاء الرحمة، واللطف والتواضع، والوداعة والصبر.

 

احتملوا بعضم بعضًا، وسامحوا، إن كان لأحد شكوى على آخر، وكما أنّ الربّ سامحكم، سامحوا أنتم أيضًا؛ وفوق كلّ شيء البسوا المحبّة، التي هي رباط الكمال" (كولسّي 12:3-14). وفي حديثه عن الزواج، يبيّن أنّ الزواج إنّما يُبنى على المحبّة التي تتميّز بالتضحية وبذل الذات على مثال المسيح، فيقول: "أيّها الرجال أحبّوا نساءكم كما أحبّ المسيح الكنيسة: لقد بذل نفسه لأجلها ليقدّسها ويطهّرها بغسل الماء والكلمة... فكذلك على الرجال أن يحبّوا نساءهم كأجسادهم الخاصّة؛ من أحبّ امرأته أحبّ نفسه. فإنّه ما من أحد أبغض جسده الخاصّ، بل إنّما يغذّيه، ويعتني به، كما يفعل المسيح بالكنيسة" (أفسس 25:5-29).

 

وما يقوله عن صفات المحبة بنوع عامّ ينطبق بنوع خاصّ على المحبّة ضمن العائلة، ويصلح ليكون منهاج حياة للحفاظ على السلام بين الأزواج: "المحبّة تتأنّى وترفق؛ المحبّة لا تحسد؛ المحبّة لا تتباهى ولا تنتفخ؛ لا تأتي قباحة، ولا تطلب ما لنفسها؛ لا تحتدّ، ولا تظنّ السوء؛ لا تفرح بالظلم بل تفرح بالحقّ؛ تتغاضى عن كلّ شيء، وتصدّق كلّ شيء، وترجو كلّ شيء، وتصبر على كلّ شيء" (1 كورنثس 4:13-7).

 


ما يُقال عن العائلة ينطبق أيضًا على العائلة الكبرى التي هي الوطن. فالمغفرة هي أساس استقرار السلام بين المواطنين. كلّنا نخطأ. وكلّنا، على مدى تاريخ لبنان وبنوع خاصّ في الحرب الأهليّة الأخيرة، أخطأنا. وكما أنّه لا وجود لعائلة كاملة، كذلك لا وجود لوطن كامل. لكن المهمّ أن يحبّ كلّ مواطن وطنه ويفضّله على سائر الأوطان، ويعتني به كما يعتني "بجسده الخاصّ"، بحسب تعبير بولس الرسول، "ولا يطلب ما لنفسه"، بل يطلب ما لوطنه.

 


إنّ أساس مشكلاتنا في لبنان هو أنّ البعض ينظرون إلى مصلحتهم الخاصّة، أو مصلحة حزبهم أو مصلحة طائفتهم، بدل أن ينظروا إلى مصلحة الوطن. كما نرى البعض يربطون مصلحة الوطن بمصالح بلدان أخرى، ويحمّلون وطنهم أثقال تلك البلدان ومشكلاتها، بحيث لن يتمكّن لبنان من الحصول على أمنه واستقراره ما لم يتحقّق أمن تلك البلدان واستقرارها.

كان أنبياء العهد القديم ينعتون بالزنى الدينيّ عبادة آلهة أخرى إلى جانب الله الواحد. أليس ما يحصل في لبنان هو نوع من الزنى السياسيّ؟