مقالات

الأربعاء 23 كانون ثاني 2019 / المصدر: خاص نورسات الأردن

عظة سيادة المطران وليم الشوملي في احتفالية صلاة الوحدة
الاخوة الأساقفة ورؤساء الكنائس الأجلاء، الإخوة الكهنة والاخوات الراهبات، أيها المؤمنون الأحباء من مختلف الكنائس والرعايا،شكرا لحضوركم بهذا العدد الكبير الذي يدل على رغبتكم القوية في الوحدة. واسمحوا لي بداية أن أشكر باسمكم مجلس رؤساء الكنائس لرعاية هذا الاحتفال، وفضائية نورسات للتحضير والتنسيق والكنيسة اللوثرية وبالأخص القس سامر عازر لاستضافة هذه الصلاة المسكونية.

لننطلق في كلمتنا من انجيل اليوم الذي تلي على مسامعنا. يسوع يدخل مجمع الناصرة ليصلي كعادته في السبت.

الناصرة موطنه وهو معروف فيها على أنه النجار ابن يوسف النجار.

وقد وصل مسامع اهل بلده بأنه يعلم ويشفي وله صيت كبير في كل أنحاء الجليل.

فطلبوا منه احتراما وتقديرا أن يقرأ من أسفار التوراة وأن يعظ. وكان الوعظ محصورا على الكتبة أو الكهنة.

 

فأرادوا أن يكرموا يسوع فساووه بهم. فتح يسوع التوراة وكانت كلمات القراءة من سفر أشعيا هي: "روح الرب علي لأنه مسحني وأرسلني لأبشر المساكين".اخوتيالمساكين الذين جاء المسيح ليبشرهم هم نحن اليوم. نعم نحن مساكين لأننا قسمنا كنيسة المسيح الواحدة وجعلناها كنائس ونجحنا نحن وأجدادنا في تقسيم رداء المسيح الواحد الذي لم يستطع حتى الجنود الرومان تقسيمه. وأصبحنا موضع شك للناس ومشهدا للناس والملائكة. ونحن بحاجة الى سماع بشرى الخلاص كي تخرجنا من محنة الانقسام الى نعمة الوحدة.في الواقع، ان الانقسامات التي تلَت مجمعَ أفسس ثم خلقيدونية في القرن الخامس ثم الانقسامُ الكبيُر بين كنيستَيْ القسطنطينية وروما عام 1054 تركت أثارا مدمرة. وقد جاء هذا الانقسام في نهايةَ مطافٍ طويلٍ من التباعدِ والتجافي والتجاهلِ المتبادَل.

 

وأدَّتْ هذه الانقساماتِ إلى اضعافنا وتناقصِ أعدادِنا في الشرق.ثم أتى الانقسام الغربي الكبير في بداية القرن السادس عشر وسبب خصومات واستنزف قوة الكنيسة وجعل الكثيرين يشككون في جدوى رسالتها. فبدلا من أن تكون فاعل سلام صارت سببا للتناحر والتجافي. حضورُنا المسيحيُّ اليومَ مرتبطٌ بهذا التاريخِ المليءِ بالانقساماتِ والآلام. ومن الواضحِ أنَّ غيابَ الوحدةِ يضعفنا ويشكك في مصداقيتنا.

ويحسُنُ بنا، أن نستمعَ إلى القديس أغناطيوس، أسقفِ أنطاكيا، في رسالته إلى أهل فيلادلفيا، فيها يحذِّرُ المؤمنين من الانقسامات، فيقول: "كونوا جميعًا قلبًا واحدًا غيرَ منقسم. إنَّ الله لا يقيمُ حيث يكونُ الانقسامُ والغضبُ. أتوسَّلُ إليكم ألا تعملوا شيئًا بروحِ المخاصمة، وأن تسيروا وفقًا لتعليمِ الله. تجنَّبوا الانقسام، واقتدوا بيسوعَ المسيح كما اقتدى هو بالله". وتُدركُ جميعُ كنائسِنا اليوم، لحسنِ الحظ، هذا الواقعَ الأليم، وكلُّنا نرغبُ بنيةٍ صادقةٍ في إصلاحِه وفي تقويةِ التضامنِ والوحدةِ بينَنا. وثمة خطوات يقوم بها رؤساء الكنائس في العالم للتقارب على طريق الوحدة التي تبدو طويلة.

 

ولنذكر بعض هذه المحطات.في عام 2014، احتفل البابا فرنسيس بخدمة مسكونية مع الكنائس الأرثوذكسية في كنيسة القبر المقدس في القدس وأكد ان الضي يوحدنا هو أكثر من الذي يفرقنا وذكر بأن دم شهداء الايمان يوحدنا. وفي 12 فبراير 2016 التقى بطريرك روسيا الأرثوذكس كيريللوس في هافانا واتفقا على ضرورة مواصلة الحوار. في 31 أكتوبر 2016، سافر البابا فرانسيس إلى لوند في السويد للاحتفال بذكرى الاصلاح مع الاتحاد العالمي اللوثري. وكانت صلاة رائعة ومؤثرة وقمنا بتكرارها لاحقا مستخدمين النصوص نفسها في بيت لحم وعمان، والبعض منكم يذكر ذلك. وهنالك لجان حوار بين مختلف الكنائس تتم بشكل منهجي مع الكنيسة الانجليكانية واللوثرية والارثوذكسية والقبطية والسريانية وباقي الكنائس.

 

وعلى مستوى محلي ينسق رؤساء الكنائس في الأردن جهودهم لحل الصعوبات التي تواجه المؤمنين. نعم نحن نسير نحو الوحدة بخطى بطيئة ولكنها أكيدة.ايها الاخوة والاخوات، اخوتي وأخواتيلقد ركَّزَ القديسُ بولس على هذه الوحدة حين كتب: "هٌنَاكَ جَسَدٌ وَاحِدٌ وَرُوحٌ وَاحِدٌ، كَمَا أنَّكُم دُعِيتُم دَعوَةً رَجَاؤهَا وَاحِدٌ. وَهُنَاكَ رَبٌّ وَاحِدٌ وَإيَمانٌ وَاحِدٌ وَمَعمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَإلَهٌ وَاحِدٌ أبٌ لِجَمِيعِ الخَلقِ وَفَوقَهُم جَمِيعًا، يَعمَلُ بِهِم جَمِيعًا وَهُوَ فِيهِم جَمِيعًا" (أفسس 4: 4- 6).

 

ومن ناحية أخرى هو يحثُّ المسيحيين في أفسس، ومن خلالِهم المسيحيين في كلِّ مكانٍ وزمان، أن يسيروا سيرةً تليقُ بدعوتهِم: "مِلؤُهَا التَّوَاضُعُ وَالوَدَاعَةُ وَالصَّبرُ، مُحتَمِلِينَ بَعضُكُم بَعضًا في المَحَبَّةِ وَمُجتَهِدِينَ في المحُاَفَظَةِ عَلَى وَحدَةِ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلامِ" (أفسس 4: 1- 3)اخوتي، لقد أصبحَت الوحدةِ الكنسية أمرًا مُلِحًّا. فنحن "قَطِيعً صَغِير" في منطقةِ الشرقِ الأوسطِ.

 

وإذا أردْنا أن تكونَ شهادتُنا للإنجيل صادقة ومصدّقة لدى من أرادَ الله لنا أن نعيشَ معَهم ومن أجلهم وجب أن تكونَ الكنيسة واحدة. ولن تكونَ خدمتُنا التي نقدِّمُها لمجتمعنا خَصبةً، إلا بمقدار ما نوحِّدُ جهودَنا المتواضعة ووسائلَ عملِنا المحدودة.إذا كان الانقسام هو من عمل الانسان فان الوحدة هي هبة من الله: نقبلها شاكرين ونطلبها بكل ثقة وتواضع.

 

نعم الوحدة هي من ثمار الروح مثل الفرح والمحبة والسلام والصفح والوداعة واللطف والايمان. وتشتتنا ناتج عن عدم انتباهنا الى الهامات الروح الذي يعمل في الكنيسة. لذا جئنا اليوم نستجدي من الله أن يهبنا هذه النعمة.ايها الروح القدس أنجد ضعفنا. ودلّ كنيستك على طريق الوحدة التي مِلؤُهَا التَّوَاضُعُ وَالوَدَاعَةُ وَالصَّبرُ والاحتمال المتبادل..نعم يا رب. عندما تشاء ومثلما تشاء وكيفما تشاء أنت قادر أن توحدنا.

امين