مقالات

الأحد 07 نيسان 2019 / المصدر: نورسات الأردن

متى كان أول احتفال بعيد البشارة
بشّر الملاك جبرائيل مريم العذراء بِحَبَلٍ بالروح القدس، وبشّر بالخالق الذي أراد أن يَتجسّدَ دون أن يعتريه أي تغيير في ألوهيّته. فأتى عيد البشارة ليكون اتحاد الطبيعة الإلهيّة بالطبيعة البشريّة.

- تعود جذور هذا العيد إلى القرون الأولى للمسيحيّة. فموضوع بتولية مريم العذراء، وحبلها الإلهي أيّ تجسّد الإله في أحشاء امرأة شغل بال المسكونة منذ القدم وغيّر وجه التاريخ، وألهب القلوب المنتظرة الخلاص الأبدي. 

 

 

بالمقابل هناك من رفضه جملةً وتفصيلًا، فكيف بنظره يمكن لله أن يُصبح إنسانًا، وغير المخلوق يتحّد بالمخلوق؟

من هنا، تجيب المسيحيّة، بكلّ ثقةٍ وإدراك، بلسان آباءها القدّيسين سائلةً بدورها: 

"وهل يعجز عن من هو مصدر الحب أن لا يتحّد بالإنسان الذي خلقه على صورته ودعاه ليكون على مثاله؟ كيف يمكن أن يكون حبًّا إلهيًّا للإنسان لو بقي الله في عليائه ولم يتجسّد؟ 

هل الذي لا يعتريه تغيّر يتغيّر إذا اتحّد بالإنسان؟ أم في الحقيقة الإنسان الذي يتغيّر ويتأله بالنعمة الإلهيّة لاتحّاد الله فيه؟ هل يمكن أن يبقى الأب السماوي بعيدًا عن أبنائه؟..."

كلّ هذه الإجابات على شكل أسئلةٍ تضع أمامنا المقولة التالية: "مهمٌ جدًا أن نعرف من بشّر جبرائيل، ولكن الأهم أن نعي وندرك بمن بشّر جبرائيل".

وخير إجابة على هذا السؤال الذي يلخّص معنى العيد بمجمله هو ما تعلنه الكنيسة في دستور إيمانها:"إلهٍ حقٍ من إلهٍ حق، مولودٍ غير مخلوق".
 

2- إيمان الجماعات المسيحيّة الأولى:

قبل إقرار دستور إيمان الكنيسة في المجمع المسكوني الأوّل في نيقية عام ٣٢٥م، وتكملته في المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينيّة عام ٣٨١م، كان يوجد في مناطق مختلفة إعترافات إيمانيّة عديدة تتلوها الجماعات المسيحيّة في صلواتها.


1- الحبل الإلهي،  2- وصيرورة الله إنسانًا أي ولادته في الجسد.

وهذا يعكس بوضوح وبشكل جلي الإيمان المسيحي منذ نشوء المسيحيّة، وهذا الحدث الإستثنائي الذي حدث مرّةً في التاريخ أي إتّحاد الطبيعة الإلهيّة بالطبيعة البشريّة هو أساس الإيمان المسيحي بمجمله.

لا بل هو نقطة انطلاق كلّ العقائد المسيحيّة، والخروج عن هذا السر يعني في المسيحيّة هرطقة بكل ما للكلمة من معنى.

وكلّ المجامع المسكونيّة السبعة التي حصلت أبّان الألف الأول، كانت تعلن وتؤكّد تجسّد الإله وولادته من الروح القدس ومن مريم العذراء، التي هي والدة الإله.

ولأنّه تجسّد، أي صار إنسانًا مثلنا، تُكتب له أيقونةً تأكيدًا لتأنسه.

كما أن عبارتي تجسّد من الروح القدس ومن مريم العذراء، هما من أقدم الإصطلاحات المسيحيّة على الإطلاق، ويشكّلان خاصتين أساسيتين في الإيمان المسيحي ولا يمكن الإستغناء عنهما 

لذا الترجمة الأصح للكلمة اليونانيّة  والتي تشير إلى جوهر الإبن، هي واحد مع الآب في الجوهر، أكثر من مساوي للآب في الجوه كما اعتدنا انتلوها في دستور إيماننا.

فالإبن هو مولودٌ من الآب، وهو كلمته الآزليّ الذي صار جسدًا وحلّ بيننا، وهو من جوهر الآب 
 

3- تاريخ العيد وتطورّه:

عيد البشارة في الكنيسة الأولى لم يكن في بادىء الأمر عيدًا مستقلًا بحد ذاته، بل كان مرتبطًا بعيد الميلاد الذي كان أيضًا مرتبطًا بدوره بعيد الظهور الإلهي.

ولكن، عندما بدأ عيد الميلاد، الذي هو عيد ظهور الله في الجسد، يأخذ استقلالًا عن عيد الظهور الإلهي في القرن الخامس ميلادي، أتت الحاجة ليكون لعيد البشارة تاريخًا خاصًا به تُتلى فيه صلوات وقراءات لها ارتباط مباشر بمفهوم هذا العيد ولاهوته.

ملاحظة: عيد البشارة في ٢٥ آذار يتزامن مع اعتدال الربيع حيث يتساوى الليل مع النهار، وكانت الحضارات القديمة تعتقد أن العالم والكائن البشري خلقا في هذا اليوم بالذّات.

 

 

* وقد كتب القدّيس أنستاسيوس الأنطاكي (٥٩٩م) ما يلي:" بحكمةٍ خلق الله كلّ شيءٍ، وبترتيب وعدالة أوجد الخليقة وافتتح الزمن، وهو أيضًا أراد أن يأتي في الفترة الزمنية ذاتها التي فيها خلق الموجودات والعالم.

 

فبعد إعتدال الربيع في 20 آذار، وهو اليوم الذي يتساوى فيه الليل والنهار بشكل كامل، يأتي اليوم السادس الذي خلق الله فيه الإنسان ويكون في ٢٥ آذار. في هذا اليوم أيضًا اتّحد الله مع الإنسان بشكل كامل.
 

* وأيضًا يقول القدّيس مكسيموس المعترف (٦٢٢م):" في أي ساعة، وفي أي شهر وأين كانت البشارة ؟ 
فيجيب أن العذراء كانت تعيش صومًا وكانت تذهب إلى النبع سيرًا على الأقدام لتصلّي لأنّها وجدت الله ينبوع حياتها.

كان ذلك في الشهر الأوّل، أي في الشهر الذي خلق فيه الله العالم، وهذا هدفه أن يعلّمنا أنّه اليوم والآن يقوم بإحياء وتجديد العالم القديم.

كان ذلك في اليوم الأوّل من الأسبوع، أي يوم الأحد، اليوم الذي فيه دحر الظلام وخلق النور، أوّل المخلوقات.
ويوم الأحد هذا، هو أيضًا اليوم الذي انبعث فيه نور القيامة معلنًا قيامة الرّب وقيامتنا نحن معه.

فكما في يوم الأحد جدد الله طبيعتنا بتجسّده في رحم العذراء، كذلك في يوم الأحد قمنا نحن البشر من خطايانا بقيامته المجيدة.

وليس فقط في اليوم الأوّل، بل أيضًا في الساعة الأولى لبزوغ الفجر الذي يشق سواد الليل ليعلن مع صاحب المزمور القائل: "يعينها الله عند اقبال الصبح" (مز٥:٤٦) وهو مزمور يعبّر عن الثقة بالله في زمان الشدّة والضيق.
 

- إذًا ما يخفق في هذا العيد هو الفرح الذي يتترجم بطروباريّة العيد وصلوات العيد وكلّ ما يرافقها من قراءات وترانيم وعظات.
 

طروبارية البشارة باللحن الرابع
اليومَ رأسُ خلاصِنا. وإعلانُ السِّرِّ الذي مُنذُ الدُّهور. فإنَّ ابنَ اللهِ يصيرُ ابنَ البتول. وجبرائيلَ بالنعمةِ يُبشّر. لذلكَ نحنُ معهُ فلنهتِفْ نحوَ والدةِ الإله. افرحي أيّتها المُمتلئةُ نعمةً الرّبُ معكِ.



فهو عيد لقاء السماء مع الأرض وفاتح كلّ اللقاءات التي ستأتي بعده.