مقالات

الجمعة 19 تموز 2019 / المصدر: نورسات / وكالات

عيد النبي الياس بقلم الأرشمندريت توما بيطار
لا شكّ في أنّ الزمن الذي عاش فيه إيليا كان زمناً رديئاً. كانت عبادة الله قد اختلطت بعبادات الآلهة الغريبة. هذا الاختلاط نسمّيه تلفيقاً. إذاً، التلفيق، في ذلك الزمان، كان على أشدّه. عبادة الله كانت في ضمور وعبادة البعل والعشتاروت في ازدياد. وطبيعي أن يميل الشعب، في زمن التلفيق، إلى المزيد من عبادة الآلهة الوثنيّة لأنّ الآلهة الوثنيّة هي من طبيعة أهواء الناس، تجسيدٌ لها. لهذا أخذت عبادة يهوه تموت شيئاً فشيئاً. استحالت، بالأحرى، صوريّة شكليّة لا روح فيها. لم تمت بالكامل، لكنّها بلغت، في زمن إيليا النبي، حدّ الانحطاط الكبير. في ذلك الزمان وفي تلك الأحوال، بالذات، أُرسِل إيليا حاملاً للشعب كلمة الله وقوّته.

إيليا الرجل كان وتراً مشدوداً. في أزمنة الاسترخاء يأتي الأنبياء على صرامة تصدم. لذا استبان غريباً في البيئة التي استوطن. آخاب وإيزابيل لجأا إلى كل الأساليب الضاغطة ليتخلّصا من إيليا ومن إزعاج إيليا. وإيليا قاوم. قاوم بكلمة الله. بقي صوتُ النبوّة فيه صدّاحاً في كل مناسبة. كان الله يفعل فيه ومن خلاله بقوّة.

إذاً، كان إيليا رجلاً لله كاملاً في غيرته.

وقد جرت به آيات عظيمة باسم الله. لكنْ بقي إيليا إنساناً. وقد استبانت إنسانيّته، على وهنها، واضحة في أكثر من مناسبة. لم يكن منزّهاً عن التجربة. كثرة العِشرة الإلهية جعلته يظنّ أنّ ما يفعله كلّه مبرّر. ولم يكن الأمر كذلك عند الربّ الإله. لذا ارتكب إيليا قتلاً، كما باسم الله، حين ذبح أنبياء البعل عند نهر قيشون، ظانّاً أنّ في ذلك صالحةً لله. الخطيئة هي ما كانت بحاجة إلى ذبح لا الخطأة.

النبوّة الكاذبة لا تموت بقتل الأنبياء الكذبة بل بالتوبة الصدوق. كل نفس أمّارة بالسوء إلى أن تتوب. والله لا يشاء موت الخاطئ إلى أن يرجع ويحيا. لذا سفّه الربّ الإله ما فعله إيليا حين تجلّى له، بعد حين، لا في الزلزلة، ولا في العاصفة، بل في النسيم العليل. فكأنّ الربّ الإله، بذلك، كان يحدّث عن حَمَل الله الآتي، عن عبد يهوه، عن ابن الإنسان الذي لا يقصف قصبة مرضوضة ولا يطفئ فتيلاً مدخّناً، الذي أحزاننا حملها وأوجاعنا تحمّلها، وهو يبرِّر كثيرين وآثامهم يحملها.

وإيليا، أيضاً، من كثرة غيرته على الربّ الإله، ظنّ أنّه الوحيد في الساحة وكأنّ كل اعتماد العليّ عليه. لا شكّ أنّ في ذلك بذار استكبار. فلقد خاطب ربّه قائلاً: “الجميع تركوك وبقيت أنا وحدي”. فجاءه الكلام الإلهي: “هناك سبعة آلاف لم يُحنوا ركبة لبعل”. الله عارفٌ جيِّداً بمَن هم له وما اللحم والدم بعارف.

فلا تستكبرنّ يا إيليا لأنّ الله قادر أن يُخرج من الحجارة أولاداً لإبراهيم. ليس أحدٌ منا ضرورةً لله لا يُستغنى عنها. الله قادر، بيُسر، أن يستبدل إنساناً بإنسان. لكل إنسان أجرُه ولا شكّ، ولكنْ، كلمة الله لا تعود إليه فارغة. الله عارف كيف يتغلغل في ضعفات الناس وفي الظروف مهما اشتدّت حتى تعود إليه كلمته مثمرة وقد أدّت الغاية منها. يعرف الله كيف يُخرج من الغثّ الثمين. لهذا وغيره احتاج إيليا بالإضافة أو، بالأحرى، بإزاء كل الأنعام الإلهية التي حظي بها، إلى بعض من الإعراض الإلهي التدبيري حتى يعرف حدّه ويبقى عنده، حتى يعرف أنّه بشر، أنّه تراب ورماد، أنّه عرضة للشطط ما لم تعصمه نعمة الله. وما الله بعاصمه في كل حال ليبقى هناك تمايز بين ما لله وما للناس. الله يعمل في ضعفنا ولا يلغيه.

لذا أسلم الربّ الإله إيليا للخوف من إيزابيل وآخاب، ففرّ من وجههما كما يفرّ العاديون من الناس. وتبقى الرفعة لله وحده دون شريك. يومذاك سلك إيليا كإنسان وكأنّ نعمة الله غادرته ولمّا تغادْره. بل الربّ الإله كان فاعلاً فيه بطريقة سرّية.

وقد أتاه طعاماً جميلاً ليتشدّد به ويتعزّى. يشرد الإنسان عن الله وما يتخلّى الله عنه. متى سلَّمَنا الربُّ الإله إلى الصحراء أعطانا من النِعَم ما نحتاج إليه لنواجه ونجاهد وننتصر باسم الله. من دونه لا نستطيع شيئاً. لكنّه يأتينا خَفِراً خفيّاً حتى متى خبرنا عمق أوهاننا اختبرْنا، في آن، عمق تدبير الله وكثافة حضوره وعملَه فينا. الاضطهاد أيضاً نعمة. “ليس أحد ترك بيتاً أو إخوة… لأجلي ولأجل الإنجيل إلاّ ويأخذ مائة ضعف الآن في هذا الزمان بيوتاً وإخوة… مع اضطهادات…” (مر 10). عطايا الله مشروطة بوعي الإنسان، في العمق، لكونه عبداً بطّالاً، على مسافة لا تُردَم مع الله، حتى لا يقع الإنسان في الدالة ويهلك. دائماً ما يحتاج الإنسان، في خطّ سيره الإلهي، لأن يختبر ضعفه مرّة بعد مرّة. لذا مهما بلغ عبدُ الله من القامة الإلهيّة سموّاً فإنّه يبقى في الضيق، مُسلَّماً للجهاد، متروكاً للضعف. فقط في هذه الحال يكون الله إليه أقرب من حبل الوريد.

هكذا لقّن الربّ الإله إيليا درساً وبه يلقّننا أنّه لا حقّ لأحد منا في أن يسلك بإزاء الله بدالة. الله يدلّلنا، أما نحن فما نقربه إلاّ بخوف ورعدة. هو سيّد المبادرة. فقط الآمين لنا.

على هذا، بات إيليا علامة في وجدان الكنيسة جيلاً بعد جيل. بات إيقونة للذين يقربون الله حسناً. هؤلاء عليهم أن يكونوا على غيرة كغيرة إيليا، وعليهم أيضاً أن يكابدوا المشاق في كل حين، وأن يكونوا وتراً مشدوداً بالنّغم الإلهي. فإذا ما ثبتوا على النحو الذي سلك فيه إيليا، يُعطَون أن يكونوا متكلِّمين بكلام الله، أن يكونوا أنبياء لله في كل جيل. لهذا إيليا، عندنا، معلّم كبير وشيخ كبير وذبيح كبير. صورة تسبق دائماً مجيء المسيح. وقد ورد أنّ المسيح متى حان أوانه، ثانية، لا بدّ لإيليا، أو لروح إيليا، أن تتقدّمه كمِثْل ما تَقدَّمه يوحنّا المعمدان. كلٌّ منا، في الحقيقة، يمهِّد لمجيء الربّ في تعاطيه المسيح، بين إخوته، في هذا الدهر.

على هذا أقمنا اليوم احتفالاً بالغيرة الكبرى، بالسيرة التي لا تشوبها شائبة، سيرة مَن يقيمون في ضعف أنفسهم، وهم مستنزلون، في آن، قوّة الله عليهم، وعلى هذا يشهَدون. فليكن اسم الربّ مبارَكاً من الآن وإلى الدهر